إن الحمد لله تعالى نحمده و نستعين به و نستغفره و نتوكل عليه ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات اعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و أشهد ان لا إله إلا الله و حده لا شريك له،و أشهد ان محمدا عبده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله..و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار
فاللهم اجرنا من النار برحمتك إنك انت الرحيم الجواد الكريم
أيها الإخوة الكرام ..أيتها الفاضلات الطيبات
يظهر من العناون أن الكموضوع شائك ..و محرج بعض الشيء .. و لكن لابد منه لكل إنسان فيه يتميز بميزات البشر ..مادام عنده قلب ينبض و يحس ..و عينان نتظران و تسرحان ..
أيها الفضلاء ..إن الكلام عن الحب -من حيث أنه فطرة فطرها الله تعالى في قلوبنا- حديث طويل ..إذ ان علماء التربية و التزكية أفاضوا فيه و بينوا كل ما استشكل على الحائرين في هذا ..إن المتأمل في حال امتنا اليوم يجد أن الخلل فينا يرجع إلى عدم فهم المحبة بفهمها الأصلي .فظهر ما ترون من بلاء على أمتنا الحبيبة ..و تكالب الأمم عليها ..و ما ذاك إلا من هذا
أيها الفضلاء
الحب كان و لا يزال يتغنى به أهل الفسق في فسقهم ..اهل الطاعة في طاعتهم ..و منهم من بقي في الوسط..فهو مع هؤلاء بصفات ..و مع الآخرين بأخرى ، أحب الدين و احب الله و رسوله إلا انه لازال عنده خلل في حب الصور ..و لايعتقد معتقد انه بكلامنا هذا نحرم هذه الخصلة ..و لكن حلكمها يتعين يتعين الحالة التي استعملت فيها ..و سيأتي بيانها في مكنانها كما ذكر الفضلاء من أهل العلم..لكن فقط اردت أن أقدم بهذه المقدمة لنعلم أن الأمر جلل..و القضية مشغلة بال كثير من العباد ..و إن اتصفوا بصفات الصلاح،إذ انه لو جاز ان يتشارك أهل الطاعة مع أهل الغفلة في صفاتهم ..فأينما ما يتميزون به عنهم؟؟؟؟..مادام انهم نذروا أنفسهم لربهم من فوقهم و أعطوا حياتهم لمالكها يأمرهم بالتصرف فيها كما يشاء هو لا كما يشاءون..لذلك ما هو قانون الحب ؟؟؟؟ و هل للحب أصول؟؟؟؟؟ و صفات ؟؟؟؟ و ما الذي ميز أهل الطاعة عن اهل الغفلة في هذا الباب؟؟؟؟؟..و هل للحب مراحل يقطعها لاعبد بقلبه سوتء كان مطيعا أو غافلا؟؟؟..و هل خلال هذه المراحل يترقى القلب في مراتب ...يعني هل للمحب مراتب؟؟؟و ما هي انواع الحب؟؟؟..كل هذا وغيره..بعد أن خطر ببالي ..و فكرت فيه مليا ..قلت ابحث فيه لإخوتي ..اولا دواءا لي و لقلبي ..ثم رشادا لكل من طلب العلا في حدود الشرع ..و ملاذا لكل مبتلى بابتلاء سلطه الله عليه فانا مجرد باحث على الحق ..فمن رأى مني اعوجاجا فلا يبخل علي بنصيحة يقومني فيها ..فقلوب المسلمين تحب النصيحة ..نسأل الله تعالى ان يجعلنا ممن أسلم لله و انقاد إليه ..
و نبدأ مستعينين بالحق جل و علا..
أيها الأفاضل..نحن لا نحتاج لتعريف للمحبة إذ الكل يعرف ما هي..و لو أردت ان اعرفها كتعريف لغوي فلن أصل إلا أفصح من كلمة - ود- نعم.الود..وهذا معروف لا نكثر الكلام فيه.فالحب هو ود يجده المرء في نفسه حيث أن قلبه يميل لجهة ما - و لم أقل لشخص أو أي شيء و هذا سيأتي بيانه إن شاء الله- هذه الجهة التي يميل إليها هذا الإنسان بطبعه و رضاه لا إكراها عليه و لا إلزاما..هذا تعريف سريع للحب، وكما قلت لا داعي أن نعرفه فالكل يفهم معناه من مجرد أن يسمع لفظه
لكن الحب له معايير و مقاييس يقاس بها من ناحبة المدح و الذم..يعني أن الحب ليس واحدا و إنما هو انواع و أشكال تختلف درجاتها باختلاف احوالها ..و على حسب هذه الاحوال يتعين المدح أو الذم..لذلك ..اعلموا أن أنواع الحب ثلاثة ..كتقسيم أولي..
1-نوع من فوق لتحت..و هو حب الله لعبده الموحد
2- نوع من تحت لفوق..و هو حب العبد لله
-نوع من النظير للنظير.. حب العبد لغير الله.هكذا إطلاقا و سنخصص الكلام فيها بإذن الله تعالى
فأما الأول النوع الأول فهو مبتغى العارفين..و غاية المخلصين..و هدف العابدين الزاهدين..وهو شرف لكل محبوب فيه..و كفى به مدحا ان المحب هو الله..إذ انه من صفات الله تعالى الحب و غير الحب..و هاك النصوص..
{وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }البقرة190
{وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }البقرة195
{وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ }البقرة205
{إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }البقرة222
{يوَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }البقرة276
{وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }آل عمران57
{فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }آل عمران76
و هلم جرا في النصوص التي على هذه الشاكلة و التي تبين أنه من صفات الحق سبحانه و تعالى أنه يحب..
فهذا النوع الأول
و النوع الثاني واجب على كل مسلم و مسلمة ..و هو مقتضى النقل و هو العقل..
اما من الناحية النقلية فالنصوص كثيرة في بيان وجوب المحبة.. و لكن ننقل نصا واحدا لانه تقوم به الحجة..قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ }البقرة165
فما دمت مؤمنا فلابد أن تكون أشد حبا لله تعالى من أي شيء في قلبك
أما من الناحية العقلية..فأنت و ما عندك من مال و أولاد و كل شيء عباد لله تعالى ، بلفظ آحر ..مملوكين له..فهو المالك لكم ..المدبر لأموركم..و ليس من صفات المملوك بغض سيده و ذلك لما له من فضل عليه ..
فهذا هو النوع الثاني
النوع الثالث و هو ما أشرنا إليه بمحبة النظير للنظير ..يعني أن تحب أي شيء من دون الله تعالى ..و هذه هي التي فيها الكلام الطويل من حيث التقسيم
و هي ثلاثة أنواع ..الأول مادي و الثاني معنوي و الثالث متعلق بالأشخاص و إن طان له نصيب من المعنوي
المادي يتمثل في حب مال
اما المعنوي فيتمثل في حب الجاه و الريائة و العلم و الظهور
أما اللذي يتعلق بالأشخاص فهو من الناحية الشرعية المباحة ..حب المرء لزوجته و لأولاده.أما من الناحبةالمحرمة فهو حب العشيق لعشيقته و تعلقه بها و افتتانه بكل ذرة فيها
و لقد حمع الله هذا الكم من الاقسام في آيات من كتابه العزيز حيث يقول سبحانه
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ }البقرة165 وهذا حب الظهور
{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ َ }البقرة177 حب للمال..
{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }آل عمران92 فدل على أن المرء يحب ما سينفق منه
و فول سليمان عليه الصلاة و السلام {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ }ص32 فدل على أن في المرء طبع حب المال
{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً }الفجر20
{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8
و الخير كما قال المفسرون هو المال
كذلك قال سبحانه : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً }الإنسان8 فدل على أنهم و إن أطعموا الكعام لليتامى و المساكين فهم يحبونه ..و رغم ذلك قاوموا هذا الحب و أطعموهم ..فكانت هذه صفة مدح لهم
أما في حب العشق فلقد أقره سبحانه بأنه غريزة في المرء فقال {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }يوسف30 فتدبر قولهن قد شغفها حبا..يعني كادت تجن من حبه و ذلك لما تراه أمامها من حسن الصورة و الأدب.وهذان هما المعياران في حب الانسان للإنسان الآخر - و هذا معيار أهل الدنيا و إلا فأن ديننا رغبنا في ذات الدين و قد نتكلم في هذا بإذن الله تعالى -
و قال سبحانه في محبة الوالد للولد على لسان إخوة يوسف {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }يوسف8 فدل على أن الوالد يجبول على حب ابنه (و في هذا معنى لطيف تدبروه معي بارك الله فيكم ..و هو أن الله تعالى لم يوص الآباء بالأبناؤ في القرآن الكريم مناوله إلى آخره إلا في موضع واحد حيث قال تعالى : (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) ما معنى هذا ..هذا يعني أن الأب مفطور على حب ابنه و إن فعل له الإبن ما فعل لذلك لم يحتجح الله تعالى أن يذكر الآباء بالابناءمن ناحية الود و حسن العشرة و غيرها و لكن ذكرهم بهم تذكيرا واحدا في القرآن و خذا التذكير كان عند وفاة الرجل فأوصاه بأولاده مظنة ان يكون الأب قد لاقاى من ابنه ما لاقى في الدنيا من المتاعب فيحرمه حق الإرث فكان لواما أن ينبه لهذا ..)
و كما قلت فإن محبة الأب لابنه شيء لا يتصور و لا يوصف إذ أنه همو قلبه و ثمرة فؤاده و ما ضره ضره و ما أفرحه أفرحه و إن كان فيه ضر له..و أنقل حديثا واحدا رواه البخاري في كتاب الأيمان و النذور ..حيث روى أن رجلا كان يحضر عند النبي صلى الله عليه وسلم و يحمل معه ولده و كان شديد الحب لهذا الولد ..و لا عجب فهو أبوه.فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (أتحب هذا الولد) فقال الرجل في أسلوب بليغ : (أحبك الله كما أحبتته..) يعني لو أحبك الله كما أحبتته لكان غاية الحب ..كيف و انا اعلم مدى حبي لولدي..فمرت أيام فلم يعد يحضر عند النبي صلى الله عليه وسلم و افتقده عليه الصلاة و السلام فسأل عنه فقالوا له ..لقد توفي له ولده- الله أكبر فاجعة بالنسبة لهذا الأب - فذهب النبي صلى الله عليه وسلم عنده فوجده مهموما مغموما ..فقال له صلى الله عليه وسلم في قمة الحكمة و التربية ..ألا تحب ان تأتي يوم القيامة فلا تأتي على باب من أبواب الجنة ّإلا وجدته عليه يدعوك إليه ..أو كما قال صلى الله عليه وسلم
فهذا يبين على أن الرجل أيا كانت ملته ..مادام انه بشر فإن فيه طع حب الولد لدرجة لا تتصور
و لا زلنا في الأدلة التي أقر الله بها هذه الأنواع من الحب التي ذكرنا ..و هنا عندنا أدلة جمع الحق فيها تقريبا كل هذه الانواع فقال سبحانه
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }آل عمران14
فقال في حب الاشخاص ..النساء و البنين..و قال في الماديات ما بعدهما ..
ثم جمع سبحانه كل هذه الانواع فقال
{كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ }القيامة20 {إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً }الإنسان27
فدل كل ما ذكرنا ان الحب صفة لازمة لكل إنسان في الأرض و لكنها تختلف معاييرها ..و أحكامها
و قد ذكر علماؤنا تصنيفا آخر لانواع المحبة من ناحية السبب الحامل على المحبة ..فذكروا انها قسمان ..
محبة طبع و محبة اختيار
فأما محبة الطيع فهي التي عنينا بمحبة الاشخاص و الماديات و المعنويات من حب الرجل لأولاده و زوجته أو بشكل عام حبه للمرأة .و جبه للمال و الجاه و السلكان و العلم و الظهور
و محبة الاختيار هي التي عنينا بمحبة العبد لربه و التي اوجبها الله تعالى على كل مسلم و مسلمة
و ذكروا حديث عمر ابن الخطاب و الذي فيه أن رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الهل إنك احب إلي من كل شيء إلى نفسي..فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يا عمر ..حتى أكون أحب إليك حتى من نفسك..فقال عمر ..الآن يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء حتى نفسي..فقال عليه الصلاة و السلام: الآن يا عمر ...و لقد جمع الحديث القسمين ينوعيهما إذ أن عمر في بداية الرواية كان يعني حب الطبع أي أني أحبك يا رسول الله بطبعي و الدليل على ذلك انه لم يفضله لعى نفسه و هذه ه محبة الطبع ..ثم في آخر الحديث انتقل عمر رضي الله عنه من الأولى إلى محبة الاختيار و التي استحق بأن بيمدح بها فقال له ..الآن يا عمر ..أي الآن كمل إيمانك
فهذه تفريعات و تقسيمات لابد من وضعها في اول الطريق لأعلم أين سأصؤف حبي و الذي يتعلق بقلبي ..فوجب علي ان ابحث عن هذا الذي يستحق بان ابذل له حبي و املكه على قلبي إذ القلب ملك البدن.
و من فرط في هذه المضغة و اعطاها لمن لا يستحقها تجرع مرارات و مرارات كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى
فالحب كنه و شيء مبهم لمن لم يتذوقه لا في جاهلية و لا في اسلام ..لا في غفلة و لا في التزام..لذلك كان من الفقه ان نعرف قانونه إذ اننا ما درسنا شيءا لا في الثانوية و لا في الجامعة إلا و قدموا لنا بتقديم في قانون ذلك الشيء المدروس ..و الحب أولى بهذا غذ عاقبته اكبر من عاقبة غيره من العلوم العادية..فمع قانون الحب ..فلنتوكل على الله
قانون الحب
أيها الأفاضل ..أيتها العفيفات ..اعلموا و اعلمن أن للحب قانونا ..إذ الحب مركب لا يضل راكبه بشرط أن يكون ضابطا للقوانين ..
الحب الذي عنينا بهذه العبارة الاخيرة و هو حب العبد لله تعالى ..أما حبه لغير الله مما ذكرنا فهذا و إن طبق معه القانون فإنه سيحظى بالتفاهم مع محبوبه - عن كان شخصا - في الدنيا فقط ..ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب
حب الله تعالى غالي أيها الأحبة ..و عزيز ..و شرف لي أيها الكرام ان أكتب في هذا الحب إذ ان منزلة الحب تختلف باختلاف المحبوب ..كيف و إذا علمنا ان المحبوب الذي سأتكلم عليه هو الله..الخالق الرازق ..المدبر..الستير ..المالك ..الشافي من كل سقم..الودووووووود...الرحيم الرحمان ..هو الله..نعم الله..من عرفه حق المعرفة جبل على حبه رغما عنه و لابد..سبحانه يتودد إلى عباده..إن ربي رحيم ودود..
لا يعجل كعجلة أحدنا .. وما ينبغي له ذلك فهو ربنا و مالكنا و محبوبنا ..أما غيره فهو يعجل عجلة تتعلق بصفاته من الغضب ..
الله..يمهل و يمهل و يمهل و يمهل..لكن من تجبر و علم سبحانه انه لن يرجع اخذه اخذ عزيز مقتدر و ما ذالك إلا ليريح عباده منه ..سبحانه لطيييف خبير
من تعرف إليه بصفاته تمثل ما استطاع في حياته بصفاته
من عرفه من صغره ..كبر و حب الله و عظمته في قلبه تفوق كل عظمة
و كما قلت ...من عرفه حق المعرفه جبل على حبه و لابد..فكم هيأ لك .وحضر لك.و حفظك و سددك ووفقك و بصرك للحق بعد ان أضل آخرين..و اعطاك و حرم غيرك و امتن عليه وكسح غيرك..و أخذ بيدك و ترك غيرك..و الله لو عرفناه كما عرفه الرسول صلى الله عليه وسلم و الصحابة رضوان الله عليهم لهانكل شيء في حياتنا امام حبه و لاضطررنا إلى ذلك اشد الاضطرارا و لتجاوزنا مرحلة الاختيار
فمن هنا فإن القانون المذكور في هذا الباب كما قلت تتعلق ثمرته الطيبة إذا صرف في حب الله تعالى
و هو أن تأثر مرضيه على مراضيك..و تترك هواك له حتى و إن آلمك
هذا هو قانون الحب ..
أن تكون ممن إذا قيل له افعل قال سمعنا و اطعنا ..اترك قال سمعنا و اطعنا ..جاهد..سمعنا و اطعنا
لذلك كان أول المحبين على مر الزمن هم الصحابة رضوان الله عليهم إذ انهم ىثروا مراضي الله تعالى على شهواتهم فهاجروا رغم ما كان من ألم في الهجرة ..و جاهدوا و إن آلمهم الجهاد..و قاتلوا فقتلواو تعذبوا ..لكن كل شيء يهون بالمحبة ..
و لقد قال قديما المتنبي في هذا القانون :
يا من يعز علينا أن نفارقهم...وجداننا كل شيء بعدكم عدم
إن كان سركم ما قاال حاسدنا...فما لجرح إذا أرضاكم ألم
و الجرح فيه ألم ، لكن مادام أن حبيبك رضي بهذا الجرح فانت تصبر على هذا الحرج و لا تلتفت للألم إن كنت ممن طبق قانون الحب ، و في هذا يقول سبحانه على لسان يوسف الذي تمثل بمقام الحب : {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ }يوسف33 فضل السجن على الفساد و ذلك لأن حبيبه لا يحب الفساد..
و قال أبو الشيص:
وقف بي الهوى حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه و لا متقدم
و أهنتني فاهنت نفسي جاهدا ... يا من يهون عليك ممن يكرم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
فانظر إلى المعاني الرقراقة التي ساقها هذا الشاعر الاسطورة في هذه الابيات .. و من شدة الشبه بين محبوبه و بين عدوه ..آثر أن يحب عدوه لهذا الشبه..و لو مهما اموه في حبه فإنه يجد هذه الملامة لذيذة مادامت في سبيل محبوبه
و قال آخر:
يخط الشوق شخصك في ضميري ... على بعد التزاور خط زور
و يوهمنيك طول الفكر حتى ... كأنك عند تفكيري سميري
فلا تبعد فإنك نور عيني ... إذا ما غبت لم أظفر بنور
إذا كنت مسرورا لهجري ... إني من سرورك في سروري
_________________